نجيب الدين السمرقندي
328
شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )
وفي كلامه بحث ؛ لأنه جعل المرتبة الأولى من الدق ما تكون الحرارة آخذة في إفناء الرطوبات التي في العروق الصغار والتي في فرج الأعضاء وليس كذلك ، لأن المرتبة الأولى منه عند الجمهور هي ما تفنى الحرارة الرطوبة التي هي في العروق وتشرع في إفناء الرطوبة التي في فرج الأعضاء ، لأن هذين النوعين من الرطوبة ليس يمكن أن يفنيا معا في مرتبة واحدة ، إذ الطبيعة تحامى عن الأشرف بالأخس والرطوبة الأولى أخسّ من الثانية ، لأنها أقرب إلى الخلّطية ، فما لم تفن تلك بالكلية لم تشرع الحرارة في إفناء الأخرى . فإن قيل : عندما تتعلق الحرارة بالأعضاء وتفنى تلك الرطوبات تجذب الأعضاء بدلها من الرواضع وهي من السواقي وهي من أول الجداول ، وهي من الأوردة المنشعبة من الكبد وهي من المعدة فلا تفنى الرطوبات قطعا الّا إذا أمسك العليل عن تناول الغذاء . قلنا : إن المتخلف من الغذاء في الأكثر لا يكون الّا على قدر المتحلّل بالتحلّل الطبيعي الذي لا يمكن الاحتراز عنه ، فإذا عاون المحلّل الطبيعي محلّل آخر قويّ مرضى ، كثر التحلل بالضرورة ولا يفيى الغذاء حينئذ بالإخلاف فتجفّ الأعضاء على مرّ الزمان وأيضا عندما تستولى الحرارة على الأعضاء بحيث تفنى الرطوبات المذكورة يضعف الهضم ويصير الدم مراريا حادّا لا يصلح لتغذية الأعضاء والإخلاف وتضعف أيضا جاذبة الأعضاء للغذاء فيقلّ الاقتضاء على العروق حتى يصل إلى الكبد والمعدة وإذا قلّ الاقتضاء والاجتذاب من المعدة قلّت الشهوة فيقلّ الأكل ويقلّ الدم المتخلف فيزداد الجفاف على الدوام . والثانية : أن تكون قد فنيت هذه الرطوبة فيكون تشبثها بالرطوبة القريبة العهد بالجمود واللصوق بالأعضاء وهي رطوبة استحالت إلى جوهر الأعضاء من طريق المزاج والتشبيه الّا أنها لقرب عهدها بالانعقاد لم تصلب بعد بل بقيت رطبة رخوة القوام ، فلو استحالت إلى جوهرها من طريق القوام أيضا لخرجت عن أنواع الرطوبات . وتسمى الحمى الدقية هذه المرتبة الذبول وفي المرتبة الأولى الدق على الاطلاق ؛ لأنه ما دامت تلك الرطوبة باقية لم يظهر الذبول في الأعضاء فإذا أشرفت على الفناء ، أخذت الأعضاء في الذبول . والثالثة : أن تكون قد فنيت هذه الرطوبات أيضا ويكون تشبثها بالرطوبات الأسطقسية التي استفادتها الأعضاء عند بنية البدن من عنصرى الماء والهواء ويقال لها الرطوبة المنوية أيضا التي بها يكون اتصال الأعضاء